اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

441

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

التاريخ يتفق مع فترة انقطاعه بالفيوم . غير أن طه حسين تمكن من الرجوع إلى مخطوطة موجودة بالقاهرة تسوق العرض إلى عام 807 ه - 1404 أي إلى العام الشابق لعام وفاة ابن خلدون 6 « * » : من هذا يتضح لنا أن الآراء الجغرافية لابن خلدون يجب استجلاؤها لا اعتمادا على « الرحلة » بل من مؤلفه التاريخي الضخم الذي يحمل عنوانا تغلب عليه الصنعة هو « كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر » 7 . وقد ظهر حول هذا الكتاب عدد كبير من الأبحاث لا تخص في الواقع مؤلفه التاريخي نفسه بقدر ما تتعلق بمقدمته المشهورة التي تبلغ في واقع الأمر ثلث ججم الكتاب . وجميع هذه أبحاث تتفق في جوهرها على أن ابن خلدون لا يرتفع في القسم التاريخي من مصنفه إلى مستوى تلك النظريات التي يعرض لها في المقدمة . أما الأقسام المختلفة لتاريخه فلبست متساوية بالطبع من حيث القيمة فقد لاحظ أمارى مثلا وذلك في كلامه عن صقلية أن ابن خلدون يكتفى بنقل المادة التاريخية دون أن يمحصها شأنه في هذا شأن المؤرخين الآخرين ولكنه يقدم لنا في مقابل هذا مادة وفيرة في تاريخ البربر لم تكن معروفة قبله 8 ، كما أن الفصل الذي أفرده لتاريخ الدويلات النصرانية في أسبانيا يشرف الأدب العربي بأجمعه كما قال دوزى Dozy 9 . وإذا كان من المستحيل كما رأينا اتخاذ موقف سلبى تمام من مصنفه التاريخي فإن مقدمة كتابه تمثل في مجموعها أثرا لا مثيل له لا بالنسبة لعصره فحسب بل وبالنسبة للأدب العربي بأجمعه . وفيها يفسر ابن خلدون التاريخ لا على ضوء تطور النظم السياسية كما فعل اليونان بل على ضوء تطور الأوضاع الاقتصادية للمجتمع البشرى في صوره البدوية والحضرية والمدنية . ولا يخلو من الطرافة من وجهة النظر الجغرافية أن نلاحظ أنه يوزع مادته التاريخية لا على أساس الترتيب الزمنى الذي سار عليه المؤرخون بل على أساس الدول الحاكمة في كل قطر مراعيا في ذلك الترتيب الجغرافي 10 . أما فيما يتعلق بالجغرافيا خاصة فإن « المقدمة » مخيبة للأمل شيئا ما ، ففيها نبصر ذلك الانفصام المعهود في الأدب العربي - - بين المادة الجغرافية الواقعية من ناحية والاستنتاجات النظرية المبنية عليها من ناحية أخرى ؛ وحتى في هذا المجال الأخير فإن ابن خلدون يبدو ناقلا متبعا بصورة لم تكن متوقعة من شخص في مثل ذكائه . ولعله مما يسترعى النظر حقا أن الفصل السادس من المقدمة المكرس للعلوم وتصنيفها والذي يشغل بالتقريب ثلث المقدمة لا يرد فيه أي ذكر للجغرافيا ، بل وأكثر من ذلك لا يرد فيه أي ذكر للتاريخ أو لذلك العلم « الجديد » في « العمران » الذي وضع ابن خلدون مقدمته قصدا لتفصيل القول فيه 11 . وابن خلدون في تصنيفه للعلوم يفتقر إلى الأصالة 12 فهو تارة يسير على النمط اليوناني في صورته العربية 13 وطورا يتبع تصنيف « إخوان الصفاء » 14 . وهو يقسم العلوم إلى مجموعتين

--> ( * ) تناول ابن خلدون النسخة الأولى بالتعديل والتنقيح والزيادة وأضاف إليها تاريخ حياته إلى نهاية 807 ه أي إلى ما قبل وفاته ببضعة أشهر . وقد حفظت لنا من هذه الرواية الأخيرة مخطوطتان قيمتان بمكتبات استنبول ومنهما تفرعت نسخة دار الكتب المصرية التي يشير إليها المؤلف وهي التي طبعت مؤخرا بالقاهرة كما أسرنا في الملاحظة السابقة لهذه . ( المترجم )